الحريات…سيادة القانون…المرأة في ليبيا الحرة

ليبيا الحرة (بالتأنيث)! تقف على مفترق طرق، فإما أن تصبح دولة سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وضمان الحريات العامة والخاصة وعدم التمييز وذلك حسب المعاهدات والمواثيق الدولية أو أن تصبح دولة تميز بين مواطنيها حسب الشكل أو الجنس، تحكمها الجماعات المسلحة والأفكار الدينية المتشددة، وسط عدم مبالاة المسؤولين السياسيين بل وبتواطئ من أشخاص وجهات يفترض أن تدافع عن حقوق الإنسان ودولة سيادة القانون. وما يتعرض له المواطن الليبي ومن ضمنه المرأة مؤخراً قد يعدُ مؤشر على هذا الأمر!

في بداية ثورة 17 فبراير كان للمرأة دور واضح، بينهن اللائي قمن بوقفات احتجاجية أمام محكمة شمال بنغازي التي عرفت كونها شرارة الاحتجاج ضد حكم العقيد معمر القذافي ونظامه الأمني التسلطي، كما شاركت النساء من مختلف التوجهات بأعداد كبيرة في وقت لاحق في المسيرات المؤيدة للثورة والمطالبة بالحرية، كذلك سقطت أعداد منهن كشهيدات في هذه الثورة، أيضاُ شاركت نساء في الجبهة سواء بحمل السلاح أو في الامداد.

لكن بعض قيادات ليبيا الإنتقالية، أبرزهم رئيس المجلس الانتقالي المستشار (مصطفى عبد الجليل) لم يتوقفوا في تصريحاتهم على استخدام أسلوب أو عبارات رآها الكثيرين “مهينة للمرأة” بل وتستهدف “قمعها بأشكال متعددة” معبرا عن سلوك لدى بعض الجهات يخشى أن يكون سياسة ممنهجة ضد النساء وحقوق الإنسان في ليبيا الجديدة.

فمنذ تصريحاته في خطاب التحرير الذي ألقاه في مدينة بنغازي والذي كان أعلن من خلاله (تحرير ليبيا) والخطوات والآمال التي ينبغي السير على خطاها لليبيا تحترم حقوق الإنسان والحريات وترسيخ الديمقراطية والأمن والعدالة في البلاد …استخدم مصطفى عبد الجليل (آخر وزراء العدل في حكومة معمر القذافي) عبارات اعتبرت لدى البعض محلياً ودولياً مؤشرا خطيرا على توجهات المجلس الانتقالي وقيادة البلاد الجديدة ….أبرزها قوله “إن أي قانون مخالف للشريعة الإسلامية هو موقوف فورا، ومنها القانون الذي يحد من تعدد الزوجات”!. وحيث أن تعدد الزوجات لم يكن ممنوعاً في ليبيا ابان حكم القذافي بل كان قانوناً تنظيمياً فان التصريح اعتبر من قبل عدة جهات مدافعة عن حقوق المرأة نكسة للمرأة في ليبيا.

نائب رئيس المجلس وهو يطلب من سارة مغادرة منصة التقديم على الهواء مباشرةً

في حفل تسليم المجلس الانتقالي سلطاته إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب وفي حين كانت مقدمة الحدث سارة المسلاتي (22 عاماً) وهي شابة لاترتدي (الحجاب) تقوم بالتقديم تم مقاطعتها من قبل أحد نواب حزب العدالة والبناء (جماعة الإخوان المسلمين– فرع ليبيا) صارخاً فيها وسط الحضور (غطي راسك)! …لكنها لم تعره اهتماماً ليتقدم نحوها أحد مستشاري عبد الجليل طالبا منها أن تتوقف عن التقديم لكنها رفضت وأصرت على الاستمرار في تقديم الحفل كما هو مقرر له…   تلا ذلك قيام المستشار مصطفى عبد الجليل بطرد سارة مشيراً إليها باصبعه في اشارة لكي تغادر المنصة!!..حيث أجبرها على مغادرة المنصة كونها لاترتدي (الحجاب) لتغادرها (احتراما للمستشار) كما قالت لاحقاً!…وبعد اعتلاء مصطفى عبد الجليل المنصة لإلقاء كلمته قال “نحن نؤمن بالحريات الفردية وسوف نعمل على ترسيخها، لكن نحن مسلمون ومتمسكون بقيمنا. يجب ان يفهم الجميع هذه النقطة”!!

أثارت هذه الحادثة جدلاً كبيراً لدى العديد من الليبيين لما رآه عديدين من أسلوب مهين ومذل استخدم ضد شابة ليبية غير محجبة…وصلت للإنشاء صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك بعنوان (كــُلــــنآ سآرة المســلآتـِي) مؤيدة لسارة ورافضة لما حدث لها.

صورة من صفحة متضامنة مع مجدولين عبيدة على فيس بوك

في بنغازي والتي كانت آمنة أثناء الثورة وقعت بها في الأسابيع الأخيرة عمليات تفجير لمحاكم ومبان عسكرية واغتيالات لشخصيات من الجيش الليبي واختطاف لناشطين وعاملين مدنيين سواء من الليبيين أو الأجانب في المدينة. آخرها اقتحام أفراد من كتيبتين لملتقى مدني يناقش تفعيل دور المرأة في الدستور الليبي في مدينة بنغازي يوم الخميس 9 أغسطس 2012 في مبنى جمعية الدعوة الإسلامية في بنغازي حيث تم اختطاف النشطاء مجدولين عبيدة وهبة صالح وعمر الأزرق ليتم تحويلهم الى “وزارة الدفاع” التي أخلت سبيلهم لعدم وجود أي دليل على ادانتهم، وفي طريقهم الي مطار بنينه ببنغازي عائدين إلى طرابلس تم اختطافهم مجدااً!!..وقد أدان قانونيون وشخصيات ليبية وجهات حقوقية عملية الاختطاف والأسلوب الذي استخدم ضد هؤلاء المواطنين الليبيين في ليبيا الجديدة من بينهم المرصد الليبي لحقوق الإنسان الذي أصدر بياناً جاء فيه “إن سيادة ثقافة الاختطاف والاعتقال خارج إطار القانون، خاصة بحق النشطاء وأصحاب الرأي هي مؤشر خطير، وعودة لعهد الظلام الذي كان الطاغية يضيق فيه على الحقوق والحريات، وينال من كل صاحب رأي وقلم مخالف له”. فيما ظهرت صفحات على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك ترفض ماحدث للفتيات وتطالب بمحاسبة الخاطفين مثل صفحة (المطالبة بمعاقبة من اختطفو الناشطة الحقوقية مجدولين عبيدة) و(كلنا مجدولين عبيدة).

اغلاق صفحة ليبية للتفكير الحر اثر تهديدات

العلمانيات الليبيات على الفيس بوك

بعد اندلاع ثورة 17 فبراير في ليبيا شهدت البلاد طفرة في مجال حرية الرأي والتعبير والفكر، الا أن تلك الحريات التي ان لم تجد لها من حماية بسيادة القانون فهي قد لاتعني شيئاً في ظل غيابه وامكانية عودة القمع مجدداً وان من قبل أفراد أو جهات قد لايعجبها الاختلاف أو الآراء المخالفة المفصح عنها.

صفحة العلمانيات الليبيات على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك والتي ظهرت للنور في نوفمبر 2011 لتتناول قضايا توصف بالجريئة والمخالفة للموضوعات التي تتنناولها عادة الصفحات الليبية على الفيس بوك من قبيل أوضاع حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات العامة والشخصية في ليبيا وكذلك تناولها لموضوعات تتعلق بوجهة نظر بعض المفسرين للأديان ومنها الإسلام للمرأة.

حازت الصفحة على أعداد من المعجبين أغلبهم من داخل ليبيا وبعضهم من خارجها لكنها حازت على عدد مماثل تقريباً من الناقدين لها لحد وصل مرارا إلى الهجوم والشتم بل والتكفير والتهديدات المباشرة….واعتبرت بين كثيرين من أشهر الصفحات ذات التوجه العلماني بين الصفحات الليبية…اضافة لصفحات أخرى تتناول موضوعات مثيرة للجدل من قبيل (يوميات إمرأة متمردة، علمانية وعلمانيتي فخري).

التهديد الذي وجه لصفحة العلمانيات الليبيات والقائمين عليها

التهديد الذي وجه لصفحة العلمانيات الليبيات والقائمين عليها

في 26 يوليو المنصرم قامت احدى الصفحات التي تحوم شبهات تتحدث حول كون القائمين عليها من أتباع النظام السابق في ليبيا والتي تقوم بانزال مجموعة من الصور والوثائق (الحصرية) متعلقة بجهات ليبية من تلك الحقبة بوضع تهديد للقائمين على صفحة العلمانيات الليبيات زاعمة أنها (تشتم الرسول والصحابة)، تضمن “تهديدا بوضع بيانات وصور أدمن الصفحة”، التهديد أتى مذيلاً بعبارة (لحقو انفسكن يا ضالات وسكرن الصفحة والا ما تلومو الا نفسكن)!

لتنهال التعليقات التي تندد بصفحة العلمانيات الليبيات والقائمين عليها والتي شملت سبابا وقذفا وتهديدات بجرائم وصلت لحد التهديد بالقتل.

قامت عدة شخصيات وجهات بالاستنكار والتنديد بماحدث للصفحة معتبرة اياه “مساسا بحرية الفكر والرأي الآخر ومصادرة للحوار والاختلاف” على ماجاء في بيان بالخصوص لمنظمة فال للتنمية البشرية دفاعاً عن حرية الفكر والابداع.قامت بعدها احدى الصفحات المناصرة لفكر معمر القذافي بنشر صورة لمجموعة من الفتيات الناشطات في مجال المجتمع المدني ولتضم أسماء لمن في الصورة زعمت فيه أنها لإداريات صفحة العلمانيات الليبيات. بعدها في وقت لاحق نشرت صفحات على الفيس بوك بيانا من أحد قراصنة الإنترنت مرفقة بصور (Screenshot) تبين أن الشخصيات التي ذكرت ونشرت صورها ليست هي نفسها لإداريات صفحة العلمانيات.

بيان استنكار من قبل ناشطي مجتمع مدني للحملة المنظمة

جاء هذا الأمر متزامنا مع موجة مشابهة من حملات تشهير منظمة تعرض لها عدد من الناشطات والناشطين السياسيين والعاملين في مجال المجتمع المدني في طرابلس وبنغازي والمحسوبين على التيار الليبرالي، تضمنت حملات ضد صور لبعضهم تجمعهم مع رئيس الجالية اليهودية الليبية الذي دخل ليبيا والتقى بشخصيات سياسية ومدنية بعلم السلطات.  لتصدر الناشطات اللائي ذكرت أسمائهن وصورهن بيانا يستنكر وينفي الإدعاءات والأكاذيب التي ترافقت مع النشر. كما جاء الأمر في اطار مايراه مدونون وناشطون على الإنترنت من حملة مماثلة تستهدف الصفحات والمجموعات الليبية ذات التفكير الحر. فيما يرجع البعض الأمر بأن له علاقة بخسارة تيار الإسلام السياسي في ليبيا لانتخابات المؤتمر الوطني التي جرت في يونيو الماضي والدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي والفيس بوك في هذا الخصوص، وآخرون يرجعونه إلى محاولة للتقليل من حرية التعبير عن الآراء والتوجهات التي نالها الليبيون للمرة الأولى بعد قمع استمر لعقود.